محمد بن جرير الطبري

98

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وقال : لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ لأَن المراد منه : الذين يسمعون هذه الحجج ويتفكرون فيها فيعتبرون بها ويتعظون ، ولم يرد به الذين يسمعون بآذانهم ثم يعرضون عن عبره وعظاته . القول في تأويل قوله تعالى : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً . . . مِنْ سُلْطانٍ يقول تعالى ذكره : قال هؤلاء المشركون بالله من قومك يا محمد : اتخذ الله ولدا ، وذلك قولهم : الملائكة بنات الله . يقول الله منزها نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك : سبحان الله ، تنزيها لله عما قالوا وادعوا على ربهم . هُوَ الْغَنِيُّ يقول : الله غني عن خلقه جميعا ، فلا حاجة به إلى ولد ، لأَن الولد إنما يطلبه من يطلبه ليكون عونا له في حياته وذكرا له بعد وفاته ، والله عن كل ذلك غني ، فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره ولا يبيد فيكون به حاجة إلى خلف بعده . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يقول تعالى ذكره : لله ما في السماوات وما في الأَرض ملكا والملائكة عباده وملكه ، فكيف يكون عبد الرجل وملكه له ولدا ؟ يقول : أفلا تعقلون أيها القوم خطأ ما تقولون ؟ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا يقول : ما عندكم أيها القوم بما تقولون وتدعون من أن الملائكة بنات الله من حجة تحتجون بها ، وهي السلطان . أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ قولا لا تعلمون حقيقته وصحته ، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه جهلا منكم بغير حجة ولا برهان . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهم إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ فيقولون عليه الباطل ، ويدعون له ولدا ؛ لا يُفْلِحُونَ يقول : لا يبقون في الدنيا ، ولكن لهم مَتاعٌ فِي الدُّنْيا يمتعون به ، وبلاغ يتبلغون به إلى الأَجل الذي كتب فناؤهم فيه . . ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ يقول : ثم إذا انقضى أجلهم الذي كتب لهم إلينا مصيرهم ومنقلبهم . ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ وذلك إصلائهم جهنم ؛ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ بالله في الدنيا ، فيكذبون رسله ويجحدون آياته . ورفع قوله : مَتاعٌ بمضمر قبله إما " ذلك " وإما " هذا " . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ . . . وَلا تُنْظِرُونِ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وأتل على هؤلاء المشركين الذي قالوا : اتخذ الله ولدا من قومك نَبَأَ نُوحٍ يقول : خبر نوح ، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي يقول : إن كان عظم عليكم مقامي بين أظهركم وشق عليكم ، وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ يقول : ووعظي إياكم بحجج الله ، وتنبيهي ، إياكم على ذلك . فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ يقول : إن كان شق عليكم مقامي بين أظهركم وتذكيري بآيات الله فعزمتم على قتلي أو طردي من بين أظهركم ، فعلى الله اتكالي وبه ثقتي وهو سندي وظهري . فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ يقول : فأعدوا أمركم واعزموا على ما تقدمون عليه في أمري ؛ يقال منه : أجمعت على كذا ، بمعنى : عزمت عليه ، ومنه قول النبي : " من لم يجمع على الصوم من الليل فلا صوم له " بمعنى : من لم يعزم ، ومنه قول الشاعر : يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل أغدون يوما وأمري مجمع وروي عن الأَعرج في ذلك ما : حدثني بعض أصحابنا عن عبد الوهاب عن هارون ، عن أسيد ، عن